ضرورة قاعدة التوقيع المجاور في النظام البرلماني وطبيعتها
الملخص
لقد ظهرت الملامح الأولى لقاعدة التوقيع المجاور قبل ظهور النظام البرلماني المعروف في الوقت الحاضر، وكان ظهورها لسببٍ أو لآخر، كما سوف يتَّضح من خلال البحث، على أنَّها تطوَّرت بتطوُّر قواعد المسؤوليَّة السياسيّة في النظام البرلماني، إلى أنْ أضحت أداة من أدوات التوازن بين السّلطة والمسؤولية الممنوحة لرئيس الدّولة في النظام البرلماني؛ لا بل إنَّها كرَّست المسؤوليَّة السياسيّة للوزارة عن السلطات الّتي تخضع للتوقيع المجاور لرئيس الحكومة، والوزير، أو الوزراء المختصُّين , وتعود نشأتها الى بعض الأسباب الّتي أدَّت إلى ظهورها قبل ظهور النظام البرلماني المعروف في النُظُم الدستوريّة المقارنَة. ويتَّصف البعض من هذه الأسباب بالموضوعيّة، أيّ تلك الّتي تجد لها ضمن المنطق القانوني حيِّزاً للتفسير ينطبق مع خصوصية النظام البرلماني، في حين يتَّصف البعض الآخر من هذه الأسباب بالتاريخيّة البَحتة. وليس هذا فحسب، بل إنَّ نشأة قاعدة التوقيع المجاور تزامنت مع نشأة المسؤوليَّة السياسيّة للوزارة أمام البرلمان عقب التحوُّل في سلطات رئيس الدّولة "الملك" من السلطات المُطلقة إلى السلطات المقيَّدة.
ولمَّا كانت المسؤوليَّة الوزارية تتمثَّل في التوقيع المجاور لتوقيع رئيس الدّولة في النظام البرلماني ضمن نطاق السلطات الّتي يمارسها رئيس الدّولة غير المسؤول في النظام البرلماني، فقد أضحت قاعدة التوقيع المجاور مُقترنة دائماً وأبداً مع النظام البرلماني .
لذا تُعدُّ قاعدة التوقيع المجاور في النظام البرلماني من المقتضيات الموضوعيّة لمبدأ ثنائية السّلطة التنفيذيَّة، وما تجدر الإشارة إليه أنَّ ليس كلّ توقيع مجاور ينصّ عليه الدستور يجعل النظام السياسي القائم نظاماً برلمانياً، كما إنَّه لا وجود للنظام البرلماني بدون وجود قاعدة التوقيع مجاور، فإذا تجرَّد النظام البرلماني من قاعدة التوقيع المجاور ابتعد عن الديمقراطية في حالِ تبنِّي مبدأ ثنائية رأس السّلطة التنفيذيَّة، فإذا حدث ذلك فإنَّه يؤدِّي إلى أنْ يُباشر رئيس الدّولة سلطات فعلية دون أنْ تقترن هذه السلطات بالمسؤولية، لكونه غير المسؤول أمام البرلمان، حتى لو تقرَّرت مسؤوليَّة الحكومة أمام البرلمان فتكون حينها الديمقراطية مزيفة، إذ إنَّ الحكومة تُسأل عن أعمال لم تقم بها، بل ويُحرِّم الدستور على الحكومة القيام بها، فالمسؤولية في هذه الحالة منعدمة، وبذلك نكون قد تجاوزنا حدود النظام البرلماني الّذي يقتضي، أنْ تكون الحكومة مسؤولة عمَّا قامت به من أعمال منفردة أو تلك الّتي تشترك بها مع رئيس الدَّولة
